ابن كثير

90

البداية والنهاية

الناس بالشام أبدأ بها فأقسم المواريث وأقيم لهم ما في نفسي ، ثم أرجع فأتقلب في البلاد وأنبذ إليهم أمري . قالوا : فأتى عمر الشام أربع مرات مرتين في سنة ست عشرة ، ومرتين في سنة سبع عشرة ، ولم يدخلها في الأولى من الأخريين . وهذا يقتضي ما ذكرناه عن سيف أنه يقول بكون طاعون عمواس في سنة سبع عشرة . وقد خالفه محمد بن إسحاق وأبو معشر وغير واحد ، فذهبوا إلى أنه كان في سنة ثماني عشرة . وفيه توفي أبو عبيدة ومعاذ ويزيد بن أبي سفيان ، وغيرهم من الأعيان ، على ما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى . شئ من أخبار طاعون عمواس الذي توفي فيه أبو عبيدة ومعاذ ويزيد بن أبي سفيان وغيرهم من أشراف الصحابة وغيرهم . أورده ابن جرير في هذه السنة . قال محمد بن إسحاق عن شعبة عن المختار ( 1 ) بن عبد الله البجلي عن طارق بن شهاب البجلي . قال : أتينا أبا موسى وهو في داره بالكوفة لنتحدث عنده فلما جلسنا قال : لا تحفوا فقد أصيب في الدار إنسان بهذا السقم ، ولا عليكم أن تتنزهوا عن هذه القرية فتخرجوا في فسيح بلادكم ونزهها ، حتى يرتفع هذا البلاء ، فإني سأخبركم بما يكره مما يتقى . من ذلك أن يظن من خرج أنه لو قام مات ، ويظن من أقام فأصابه ذلك أنه لو خرج لم يصبه ، فإذا لم يظن ذلك هذا المرء المسلم فلا عليه أن يخرج وأن يتنزه عنه ، إني كنت مع أبي عبيدة بن الجراح بالشام عام طاعون عمواس ، فلما اشتعل الوجع وبلغ ذلك عمر كتب إلى أبي عبيدة ليستخرجه منه : أن سلام عليك أما بعد فإنه قد عرضت لي إليك حاجة أريد أن أشافهك بها ، فعزمت عليك إذا نظرت في كتابي هذا أن لا تضعه من يدك حتى تقبل إلي : قال فعرف أبو عبيدة أنه إنما أراد أن يستخرجه من الوباء ، فقال : يغفر الله لأمير المؤمنين . ثم كتب إليه يا أمير المؤمنين إني قد عرفت حاجتك إلي ، وإني في جند من المسلمين لا أجد بنفسي رغبة عنهم ، فلست أريد فراقهم حتى يقضي الله في وفيهم أمره وقضاءه ، فخلني من عزمتك يا أمير المؤمنين ، ودعني في جندي . فلما قرأ عمر الكتاب بكى فقال الناس : يا أمير المؤمنين أمات أبو عبيدة ؟ قال : لا ، وكأن قد . قال : ثم كتب إليه " سلام عليك أما بعد فإنك أنزلت الناس أرضا عميقة فارفعهم إلى أرض مرتفعة نزهة " قال أبو موسى : فلما أتاه كتابه دعاني فقال : يا أبا موسى ، إن كتاب أمير المؤمنين قد جاءني بما ترى ، فأخرج فارتد للناس منزلا حتى أتبعك بهم ، فرجعت إلى منزلي لأرتحل فوجدت صاحبتي قد أصيبت ، فرجعت إليه وقلت : والله لقد كان في أهلي حدث . فقال : لعل صاحبتك قد أصيبت ؟ قلت : نعم ، فأمر ببعير فرحل فلما وضع رجله في غرزه طعن فقال : والله لقد أصبت ، ثم سار بالناس حتى نزل

--> ( 1 ) في الطبري المخارق .